الجصاص

504

أحكام القرآن

غيره كان لله أن يسقط عنه الحنث ولا يلزمه شيئا وإن لم يضربها بالضغث ، فلا معنى على قوله لضربها بالضغث إذ لم يحصل به بر في اليمين . وزعم هذا القائل أن لله تعالى أن يتعبد بما شاء في الأوقات ، وفيما تعبدنا به ضرب الزاني ، قال : ولو ضربه ضربة واحدة بشماريخ لم يكن حدا . قال أبو بكر : أما ضرب الزاني بشماريخ فلا يجوز إذا كان صحيحا سليما ، وقد يجوز إذا كان عليلا يخاف عليه ، لأنه لو أفرد كل ضربة لم يجز إذا كان صحيحا ، ولو جمع أسواطا فضربه بها وأصابه كل واحد منها أعيد عليه ما وقع عليه من الأسواط وإن كانت مجتمعة فلا فرق بين حال الجمع والتفريق ، وأما في المرض فجائز أن يقتصر من الضرب على شماريخ أو درة أو نحو ذلك ، فيجوز أن يجمعه أيضا فيضربه به ضربة ، وقد روي في ذلك ما حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا أحمد بن سعيد الهمداني قال : حدثنا ابن وهب قال : أخبرني يونس عن ابن شهاب قال : أخبرني أبو أمامة بن سهل بن حنيف ، أنه أخبره بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار : " أنه اشتكى رجل منهم حتى أضنى فعاد جلدة على عظم ، فدخلت عليه جارية لبعضهم فهش لها فوقع عليها ، فلما دخل عليه رجال قومه يعودونه أخبرهم بذلك وقال : استفتوا لي النبي صلى الله عليه وسلم فإني قد وقعت على جارية دخلت علي ! فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : ما رأينا أحدا به من الضر مثل الذي هو به لو حملناه إليك لتفسخت عظامه ما هو إلا جلد على عظم ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذوا له شماريخ مائة شمراخ فيضربوه بها ضربة واحدة " . ورواه بكير بن عبد الله بن الأشج عن أبي أمامة بن سهل عن سعيد بن سعد ، وقال فيه : " فخذوا عثكالا فيه مائة شمراخ فاضربوه بها ضربة واحدة " ، ففعلوا ، وهو سعيد بن سعد بن عبادة ، وقد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ، وأبو أمامة بن سهل بن حنيف هذا ولد في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم . فصل وفي هذه الآية دلالة على أن للزوج أن يضرب امرأته تأديبا ، لولا ذلك لم يكن أيوب ليحلف عليه ويضربها ، ولما أمره الله تعالى بضربها بعد حلفه . والذي ذكره الله في القرآن وأباحه من ضرب النساء إذا كانت ناشزا بقوله : ( واللاتي تخافون نشوزهن ) إلى قوله : ( واضربوهن ) [ النساء : 34 ] ، وقد دلت قصة أيوب على أن له ضربها تأديبا لغير نشوز ، وقوله تعالى : ( الرجال قوامون على النساء ) [ النساء : 34 ] . فما روي من القصة فيه يدل على مثل دلالة قصة أيوب ، لأنه روي أن رجلا لطم امرأته على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأراد أهلها القصاص ، فأنزل الله : ( الرجال قوامون على النساء بما فضل